سيد محمد طنطاوي
85
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
- تعالى - : ولَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ . . . فقد رفع اللَّه - تعالى - العذاب عن بعض الناس بسبب بعض ، وذلك انتفاع بعمل الغير . تمام العشرين : أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل ، فإنه ينتفع بذلك من يخرج عنه ، ولا سعى له فيها . ثم قال - رحمه اللَّه - : ومن تأمل العلم وجد انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى ، فكيف يجوز أن تتأول الآية الكريمة ، على خلاف صريح الكتاب والسنة ، وإجماع الأمة . . . « 1 » . والخلاصة أن الآية الكريمة قد تكون من قبيل العام الذي قد خص بأمور كثيرة . كما سبق أن أشرنا ، وقد تكون مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى - عليهما السلام - ، لأنها حكاية عما في صحفهما ، أما الأمة الإسلامية فلها سعيها ، ولها ما سعى لها به غيرها ، وهذا من فضل اللَّه ورحمته بهذه الأمة . وقد قال بعض الصالحين في معنى هذه الآية : ليس للإنسان إلا ما سعى عدلا ، وللَّه - تعالى - أن يجزيه بالحسنة ألفا فضلا . ولهذه المسألة تفاصيل أخرى في كتب الفقه ، فليرجع إليها من شاء . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر قدرته ورحمته ، فقال - تعالى - : * ( وأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ) * . أي : وأن إلى ربك وحده - لا إلى غيره - انتهاء الخلق ومرجعهم ومصيرهم فيجازى الذين أساؤا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . فقوله : * ( الْمُنْتَهى ) * : مصدر بمعنى الانتهاء ، والمراد بذلك مرجعهم إليه - تعالى - وحده ، * ( وأَنَّه هُوَ أَضْحَكَ وأَبْكى ) * أي : وأنه - سبحانه - هو الذي أوجد في هذا الكون ما يؤدى إلى ضحك الإنسان وسروره تارة ، وما يؤدى إلى حزنه وبكائه تارة أخرى . فبسبب ما يحيط بالإنسان من مؤثرات ومن مشاعر مختلفة : تارة يضحك وتارة يبكى . وما أكثر هذه المؤثرات والأحوال والاعتبارات والدوافع . . في حياة الإنسان . فالآية الكريمة انتقال من وجوب الاعتبار بأحوال الآخرة إلى وجوب الاعتبار بأحوال الإنسان ، وبما يحيط به من مؤثرات تارة تضحكه وتارة تبكيه . وأسند - سبحانه - الفعلين إليه لأنه هو خالقهما ، وهو الموجد لأسبابهما .
--> ( 1 ) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 236 .